أحمد مصطفى المراغي
190
تفسير المراغي
خالفت سنته التي لا تبديل لها ولا تحويل أو خالفت هدى دينه المزكّى للأنفس المطهر للقلوب . وهذا العقاب منه ما هو في الدنيا وهو مطرد في الأمم ، وقد أصيبت به الأمة الإسلامية في القرن الأول الذي كان أهله خير القرون بعده ، إذ قصّروا في درء الفتنة الأولى فعاقبهم اللّه عقابا شديدا على ذلك ، ثم تسلسل العقاب في كل جيل وقع فيه ذلك ، ثم امتزجت الفتن المذهبية بالفتن السياسية على الملك والسلطان حتى دالت الخلافة التي تنافسوا فيها وتقاتلوا لأجلها . وقد يقع هذا العقاب للأفراد لكنهم ربما لا يشعرون به ، لأنه يقع تدريجيا فلا يكاد يحسّ به ، وأما العقاب الأخروى فأمره إلى اللّه العالم بالسر والنجوى والذي جعل العقاب آثارا طبيعية للذنوب التي تجترحها الأفراد والأمم . ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ) هذا خطاب المهاجرين يذكرهم فيه سبحانه بما كان من ضعفهم وقلتهم ، وقد يكون الخطاب للمؤمنين عامة في عصر التنزيل يذكّرهم فيه بما كان من ضعف أمتهم العربية في الجزيرة بين الدول القوية من فارس والروم . ( تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ) أي تخافون من مبدأ الإسلام إلى حين الهجرة أن يتخطفكم مشركو العرب من قريش وغيرها ، والمراد أن ينتزعوكم بسرعة فيفتكوا بكم كما كان يتخطف بعضهم بعضا في خارج الحرم وتتخطفهم الأمم من أطراف جزيرتهم كما قال تعالى : « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ » . ( فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي فآواكم أيها المهاجرون إلى الأنصار وأيدكم وإياهم بنصره في غزواتكم ، وسيؤيدكم على من سواكم من فارس والروم وغيرهما كما وعدكم بذلك في كتابه الكريم ، ورزقكم من الطيبات